مولي محمد صالح المازندراني

96

شرح أصول الكافي

أولى من طريقتهم فبئس ما رأيت ، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك ويكثر منهم الإلحاد وأصل ذلك أنّهم لم يقنعوا بما بعثت به الشرائع وطلبوا الحقائق ، وليس في قوَّة العقل إدراك ما عند الله سبحانه وتعالى من الحكم الّذي انفرد به . وقد رجع كثير من المتكلّمين عن الكلام بعد أعمار مديدة حين لطف الله وأظهر لهم آياته فمنهم الإمام أبو المعالي حكى عنه الثقات أنّه قال : لقد خليت أهل الاسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وخضت في الّذي نهوا عنه رغبةً في طلب الحقِّ وهرباً من التقليد ، والآن فقد رجعت عن الكلِّ إلى كلمة الحقِّ عليكم بدين العجائز ، وأختم عاقبة أمري عند الرَّحيل بكلمة الإخلاص . وكان ابن الجويني يقول لأصحابه : لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنَّ الكلام يبلغ ما بلغت ما تشاغلت به ، وقال أحمد بن سنان : كان الوليد بن أبان خالي فلمّا حضرته الوفاة قال لبنيه : أتعلمون أنَّ أحداً أعلم منّي قالوا : لا ، قال : فإنّي أوصيكم أتفعلون ؟ قالوا : نعم قال : عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنّي رأيت الحقّ معهم . وقال ابن أبي عقيل : لقد بالغت في الاُصول طول عمري ثمَّ عدت القهقري إلى مذهب الكتب . ووصف الشهرستاني حاله وما وصل إليه من الكلام ومآله فتمثّل : لعمري لقد طفت المعاهد كلّها * وسيّرت طرفي تلك المعالم فلم أر إلاّ واضعاً كفّ حائر * على ذقن أو قارعاً سنَّ نادم وقال بعضهم : قد بالغ القوم في الإنكار وغفلوا عن شرف حال علم الكلام لأنّه أشرف العلوم لكون موضوعه وهي الذّات العليّة وما يجب لها وما يستحيل عليها أشرف الموضوعات ولأنَّ غيره من العلوم ينعدم في الآخرة وهو لا ينعدم لبقاء متعلّقه بل يزداد اتّساعاً لأنَّ ما كان معلوماً بالدَّليل يصير معلوماً بالعيان ، وقد أجمعوا على أنّه يجب أن يكون في كلِّ عصر من يعرفه ليرد الشبهات ويناظر من عساه يتعرَّض لعقائد المسلمين . والجواب أنَّ الرَّادَّ لم يقصد نفي شرفه ولا انقطاع فوائده ولا غير ذلك من الاُمور الموجبة لنقصه بل يقول : إنّه علم غامض لا يدرك حقيقته إلاّ الله سبحانه ومن حفظه الله تعالى عن الخطأ ، وأمّا غيرهم وإن بالغوا فهم بعد في مقام يحتمل الخطأ والضلال إذ ليس المعصوم إلاّ من عصمه الله ، وبالجملة أهل الكلام يجب أن يكون معصوماً أو من يسمع من المعصوم ، وقول الصادق ( عليه السلام ) صريح في ذلك .